علي بن مهدي الطبري المامطيري

88

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

[ امتناع عبد المطّلب وابنه الحارث من الخمر والفجور ] ( 23 ) وعبد المطّلب حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية ، وذلك أنّه وفد على ملك حمير فدعاه إلى منادمته ، فأبى عليه ، وقال : لا أشرب شيئا يشرب عقلي ، وكان معه ابنه الحارث وهو أكبر أولاده ، فدعاه إلى منادمته فأجابه ، وكانت له وفرة حسنة كأنّه [ ا ] جمّمت ، فرأته امرأة الملك ، فاستحسنت ذلك ، ووعدته « 1 » إلى نفسها ، فامتنع عليها ، وكتب إليها بهذه الأبيات : لا تطمعي فيما لديّ فإنّني * كرم منادمتي عفيف مئززي أسعى لأدرك مجد قوم سادة * عمروا قطين البيت عند المشعر

--> - وما كلّ ما يحوي امرؤ من إرادة * لحزم ولا ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمرا فإنّه * سيكفيكه جدّان يصطرعان وقريبا منها ما رواه الحافظ ابن شهرآشوب رحمه اللّه في مناقب آل أبي طالب 1 : 19 ، الطبعة القديمة ، وعنه المجلسي طاب ثراه في الحديث ( 59 ) من تاريخ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من البحار 15 : 115 ، قال بعد ذكر هذه الأبيات : للّه ما زهريّة سلبت * ثوبيك ما سلبت وما تدري . . . . . . . . . . . . . . . بني هاشم غادرت من أخيكم * آمنة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوّه * فتائل قد شبّت له بدخان بيان : « قولها : ما زهرية » المراد بالزهرية آمنة ، أي : آمنة ما سلبت ثوبيك فقط حين قاربتها . « ما سلبت » أي : أيّ شيء سلبت ؟ أي : سلبت منك شيئا عظيما وهو نور النبوّة ، وما تدري . قولها : « قد غادرت » أي : تركت . قولها : « للباه يعتلجان » أي : للجماع يتصارعان وينضمّان ، والخبوّ : الانطفاء . « قد شبّت له » على بناء المجهول أي : أوقدت ، والضمير للمصباح . والحاصل : أنّها خاطبت بني هاشم : أنّ آمنة ذهبت بالنور من عبد اللّه كمصباح أطفئ ، فلم يبق منه إلّا فتيلة فيها دخان ، ثمّ ذكرت لنفسها عذرا فيما فاتها : بأنّ الحرص لا يسوق شيئا لم يقدّر ، وليس كلّ ما فات من الإنسان بالتواني والتقصير ، بل هو من تقدير الحكيم الخبير . ( 1 ) . هكذا في الأصل ، ولكن ( وعد ) يتعدّى إلى مفعوله الثاني ، إمّا بنفسه ، وإمّا بحرف الجرّ ( الباء ) ، والظاهر أنّ ( وعد ) ضمّن معنى ( دعا ) ؛ ولهذا عدّاه إلى مفعوله الثاني بحرف الجرّ ( إلى ) .